يمكننا القول أن الفساد هو الوقود الذي أشعل الثورة فى يناير ويونيو على السواء، وقد عرّفت منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه "السلوك الذي يمارسه المسئولون فى القطاع العام أو القطاع الحكومي، سواءكانوا سياسيين أو موظفين مدنيين؛ بهدف إثراء أنفسهم أو أقربائهم بصورة غيرقانونية، ومن خلال إساءة استخدام السلطة الممنوحة لهم". وقد صرح زكريا عزمي رجل مبارك قبل الثورة بسنوات أن الفساد فى المحليات وصل الركب، وكانت هذه شهادة تؤكد على عمق الفساد المستشري، والذي أجبر أحد رموزه على التصريح به، وإن كان هدفه هو إعلان التبرؤ منه أو إظهار الأمر وكأن النظام ليس سببا له، وكانت الحقيقة أن الفساد فى المحليات مجرد جزء من كل صنعه نظام مبارك على مدار أكثر من ثلاثين عاما.
وقامت الثورة بموجاتها المتعددة نتيجة لما ترتب على هذا الفساد من ضياع حقوق شعب لصالح قلة فاسدة أحاطت برأس النظام العجوز، فالفساد هو البيئة الحاضنة لكل تجاوز سواء فى حق المواطن أو حق الوطن، فكانت مطالب الثورة هي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وهي الحقوق التي كان الفساد سببا مباشرا فى حرمان الشعب منها على مدى عقود طويلة. وبالتالي فإن من البديهي أن تكون أول معارك الثورة هي مواجهة الفساد، وإذا كانت الثورات فعلا استثنائيا يأتي بعد فشل محاولات الإصلاح الذي يرفضه النظام الحاكم لفترات طويلة، فإن قيام الثورة يعني تراجع الحديث عن الإصلاح التدريجي إلى مؤخرة المشهد كي تقوم الثورة بما لم يستطع الإصلاح أن يؤديه.
وإذا كنا الآن فى انتظار انتخابات رئاسية كانت جزءا من خارطة الطريق لما بعد 30 يونيو، وبعد تقلص مساحة المنافسة على مقعد الرئيس بين مرشحين اثنين، هم السيد حمدين صباحي والمشير عبد الفتاح السيسي، فإني سأتطرق لرؤية المشير السيسي للفساد، على اعتبار أن رؤية صباحي للفساد واضحة ومعلنة ولا تحتمل اللبس، فقد اعتبر صباحي أن معركته المقدسة ضد الفقر لابد أن تسبقها معركة حامية مع الفساد والفاسدين، فما طرحه وإن اعتبره البعض طموحا إلا أنه واضح، ويمكن محاسبته عليه إن لم ينفذه إذا فاز بمقعد الرئاسة، وزيادة فى الوضوح أعلن الرجل صراحة أنه ليس فى حاجة إلى أصوات من يعتبرون يناير مؤامرة، ويقصد بهم رجال مبارك، أو من يعتبرون يونيو انقلابا، ويقصد بهم رجال الإخوان، وإن كان هناك بعد آخر لهذا الإعلان الواضح لموقف صباحي من رجال مبارك وأبناء المرشد، وهو أنه يعلم جيدا أن أبناء النظامين السابقين لن يمنحوه أصواتهما من الأساس، فقد واجه النظامين على حد سواء، فلم يكن أمامه بديل عن إعلان موقفه منهما، وعدم التفكير فى أصوات يعلم جيدا أنها لن تختاره مهما داعبها.
أما بخصوص المرشح الآخر عبد الفتاح السيسي، فقد توقفت أمام إجابتين له حول الفساد والفاسدين عرضهما فى لقاءاته المحدودة للغاية، والتي أعرف جيدا أنها غير كافية للحكم على رؤية الرجل، لكنه هو السبب فى ذلك، حيث لم يطرح نفسه بشكل أوضح، ولم ينزل للجماهير كي يتعرفوا عليه مباشرة، ولم يظهر حتى فى لقاءات مباشرة حتى نعرف كيف يفكر الرجل بشكل مباشر بعيدا عن التسجيلات وأصابع المونتاج، دع عنك أن يستجيب لنداء منافسه لمناظرة علنية تساعد الناخب المصري على التقييم واختيار الأفضل. أقول أن المرشح عرض رؤيته للفساد والفاسدين من خلال إجابتين، فقد سأله المذيع شريف عامر حول موقف المشير من أصحاب المصالح، أجاب السيسي وهذا نص كلامه " كل اللي احنا بنتكلم عليهم مجموعات المصالح وطبقات أخرى من غير ما نذكر أسماء هو ف الآخر مصري يا أستاذ شريف مصري، وبدل ما تستدعي قوى الشر عنده استدعي قوى الخير عنده؛ لأننا احنا مش ضد حد بالمناسبة ..." وحين تطرقت مذيعة سكاي نيوز إلى جزئية الفساد فقال المشير "الفساد ليس هو السبب الأساسي فى حالة العوز الموجودة حاليا" وهذا نص كلامه أيضا.
إذا كان المشير يرى الفاسد مواطنا مصريا ويريد أن يستدعي قوى الخير بداخله، فإن ذلك سيكون رسالة سلبية نشجع آخرين على الفساد؛ لأن غيرهم فسد على مدى ثلاثين عاما ويزيد وها هو موقف رئيس محتمل يعلن تسامحه مع الفساد ويحاول استدعاء قوى الخير من داخلهم، وكأنه لا محل للقانون الذي جاء لمعاقبة الفاسدين، وكأن المشير يريد أن يطوي صفحة الفساد السابقة على مجيئه – لو كسب هذه المعركة – وكأننا لم نقم بثورة وليس لنا حقوق لدى من أفسدوا، فإن لم تعد حقوقنا المادية فلا اقل منحقوقنا القانونية ضدهم.
وما يزيد الأمر سوءا أن المشير حين اعتبر الفساد ليس هو السبب الأساسي فى حالة الفقر التي يعانيها المصريون، فهو بذلك قد ضل الطريق ولم يستطع بعد أن يعرف أن علة ما عاناه الشعب هو فساد النظام وتابعيه، والذي أصاب المجتمع بأكمله بحالات من الفساد الصغير. وكأنن السيسي يتهم المصريين أن الفسادلم يكن سببا رئيسيا فى معاناتهم لكنه ربما تراخي الشعب وكسله، متناسيا أن الفساد المتفشي هو الذي منع الأكفاء من الحصول على فرصهم وأجهض أحلام شباب هذا البلد على مدى عقود، وهو الذي عطل كل شيء وعرقل مسيرة التنمية.
وهناك وجهة نظر تقول أن السيسي لا يريد أن يستدعي قوى الشر من داخل هؤلاء الفاسدين الآن حتى ينتهى من معركته الانتخابية، فالدخول فى معركة مع الفساد فى ظل أجواء انتخابية سوف تفقده دعمهم، بل ستعرضه لهجوم قوي من الفاسدين، إلا أن اللسان العام المتمثل فى الإعلام يقول أن للسيسي تأييدا واسعا من جماهير الشعب المصري، وأنهم يريدونه رئيسا رغما عنه، وبالتالي لو صرح السيسي أنه سيواجه الفساد بكل قوة، وسيعاقب من فسد وأفسد على مدى العقود الماضية بآليات واضحة، فما كان لذلك من تأثير على شعبيته، بل العكس هو الصحيح، حيث كانت حشود الشعب ستهتف باسمه قبل أن يصبح رئيسا، لكن يبدو أنه ليس خوفا من خسارة مؤيدين فاسدين، بقدر ماهي قناعة المرشح حول ملف الفساد الذي لا يراه سببا فيما وصلنا إليه، ويعتبر أن الفاسدين مصريون كشرفاء الوطن ويمكنه أن يستدعي قوى الخير بداخلهم.
وكان من المنتظر بعد تصريحات السيسي حول الفساد وموقفه من الفاسدين أن يسلط الإعلام عليها الضوء، إذا كان هدفه هو مصلحة الوطن كما يدندن دائما لا مصلحة قلة تحركه من خلف ستار، لكن الإعلام بدلا من أن يسلط الضوء على هذه الجزئية شديدة الخطورة، أخذ يهتف باسم السيسي صباح مساء، ويرسخ فكرة أنه الرئيس القادم لا محالة، وأن السيسي إرادة شعب كما كانت نهضة المرشد إرادة شعب أيضا. وعلى سبيل المثال لا الحصر، خرج علينا السيد عمرو أديب فى برنامجه ذائع الصيت ليقول أن السيسي من مواليد برج العقرب وأن هذا البرج لا يعلن عما يفكر به أو يريد أن يفعله، ويختم كلامه أن هذا الرجل يقوم بعمل الأشياء فى داخله، وكأننا كي نفهم السيسي لابد أن نستدعي منجمي الأبراج أو محللين نفسيين كي نعرف ما يدور بداخل الرجل العقرب.
إنها حالة إعلامية عامة تريد أن تصنع من الفسيخ شربات، وتبرر عدم وضوح رؤية السيسي – إن وجدت – على أنها عبقرية، وأن صمته العاجز نوع من الصمت المشحون بالدلالات كما ردد إبراهيم عيسى أكثر من مرة فى لقائه. كأن الإعلام المصري يتعامل مع السيسي بمنطق جورج قرداحي احذف إجابتين أو استعن بصديق، ولم يتطرق هؤلاء إلى أن المرشح لم يتواصل مع الجماهير بشكل مباشر وهو فى مرحلة الترشح فما بالك حين يصبح رئيسا، لم يتطرق هؤلاء إلى أنه لم يعرض برنامجه حتى الآن، لم يتطرق هؤلاء إلى أنه خائف من مناظرة خصمه، لم يتطرق هؤلاء إلى أن نظام مبارك بل مبارك نفسه يعلنون دعمهم له، بل التبرير هو الجاهز دائما، وتخوين المعارضين هو خير رد لديهم .. فهل هذا هو السيسي المنتظر؟!
7:20 ص | 0
التعليقات | قراءة المزيد






